المهدي لعرج: تكتسب اللغة قيمتها في تداولها وانتشارها والتراكم المعرفي الخلاق
الرئيسية » حوارات » المهدي لعرج: تكتسب اللغة قيمتها في تداولها وانتشارها والتراكم المعرفي الخلاق

هو شاعر ومبدع وناقد، بدأ مسيرته الأدبية والنقدية على نحو مكنه من تخطي جميع الصعوبات التي اعترضته في مسيرته، منذ الولوج إلى مهنة التعليم الأساسي وما يرافقها من صعوبات وعوائق، لاسيما إشكاليات متابعة الدراسة إلى الحصول على شهادة الدكتوراه والتوظيف في إطار أستاذ التعليم العالي وما أنتجه في المراحل السابقة من إنتاجات أدبية وشعرية غزيرة جعلته اسما بارزا في الساحة الثقافة المغربية والعربية/

ضيفنا اليوم هو الدكتور المهدي لعرج، والذي سنتحدث معه عن هاجس لطالما آرقه كثيرا، سواء في مناظراته الثقافية أو في دراساته وأبحاثه الأكاديمية، إنه وضعية اللغة العربية اليوم، لاسيما الوضعية التي تعيشها بين ظهرانينا والتي اعتبرها الدكتور مزرية جدا.

 مرحبا بكم دكتور المهدي لعرج، نود بداية أن تعرف القراء عمن هو المهدي لعرج، لاسيما مسيرتك الثقافية والعلمية التي لا شك ستكون محفزا للكثير من الباحثين المبتدئين؟

أشكرك أولاً لأنك أتحت لي التحدث في هذا السياق، وأحيي موقع بناصا متمنياً له النجاح في مهمته الإعلامية والثقافية. أما عن سؤالكم هذا فيمكن أن أميز بين مجالين: مجال البحث الأكاديمي الجامعي الذي أنجزت فيه مشروعي حول نقد الأرجوزة في الشعر العربي القديم، وصدرت لي في ذلك مؤلفاتي: “المدخل إلى دراسة الأرجوزة العربية” و”بنية الأرجوزة وجمالية تلقيها عند العرب” و”الأنماط الإيقاعية للأرجوزة في الشعر العربي“. ومجال آخر أنجزت فيه بحوثاً ودراسات تتمحور عموماً حول نقد المفاهيم وتحليل الخطاب من غير أن تكون جزءاً من أية رسالة جامعية، ويمكن أن أذكر في هذا السياق مؤلفاتي:

  • مفهوم البيت وبنيته في الشعر العربي
  • في ضرورة الحوار
  • شكل القصيدة وإنتاج المعنى في الشعر المغربي
  • دينامية الفهم ونمذجة الخطاب.

هذا فضلاً عن بحوث ومقالات أخرى تتعلق بمفهوم النص والخطاب ومستويات التلقي والمضمر في القصة والرواية والشعر، وغيرها.

لطالما عبرتم عن قلقكم في كثير من المحطات والمناظرات الثقافية عن وضعية اللغة العربية، كيف تقيمون هذا الوضع؟ وهل من حلول لتجاوز العقبات التي تعانيها؟

إذا كان لنا أن نتحدث عن وضعية ما في هذا السياق، فإنما هي وضعية الناطقين باللغة العربية ومستعمليها، هي وضعية تبدو مزرية لأن هؤلاء يجدون أنفسهم مضطرين في كثير من الأحيان إلى مجرد التظلم والصراخ في وجه قوى ضغط هائلة تعمل بشكل منظم على هيكلة الحقل اللغوي بالشكل الذي يسيء إلى الهوية والانتماء.

هناك إحساس أن نوايا سيئة ما تستهدف اللغة العربية وخطراً داهماً يحدق بها، ومن الطبيعي أن يكون لهذا الإحساس صدى في الإعلام والسجالات الثقافية والسياسية.

ولكن، مع ذلك يظل الأمر ملتبساً: فاللغة أية لغة لا تكتسب قيمتها من حيث هي لغة منسقة في المعاجم والقواميس، وإنما تكتسب قيمتها في تداولها وانتشارها، أي في التراكم المعرفي الذي يتم إنتاجه بواسطتها. وبالتالي، فالعقبات التي تواجهها اللغة العربية لا تتعلق بقدرتها على المساهمة في الإنتاج المعرفي والحضاري واستيعاب التحولات الثقافية في ظل الثورة الرقمية، ولكنها عقبات مصطنعة في إطار الصراع الحضاري وأزمة الهويات وطبيعة النخب التي تباشر التغيير في المجتمعات العربية. هناك سوء فهم كبير لحاجيات هذه المجتمعات ومكونات هويتها، وهناك أعمال هائلة لتفتيت هذا الهوية، بدأ ذلك بالاستشراق والاستعمار ثم استمر في خضم النقاش حول الحداثة والتنمية وروافد الدولة المحلية، وغيرها. المهم أنها ليست عقبات تتعلق باللغة العربية من حيث هي لغة أم وأصيلة لملايين الناطقين بها، ولو كانت هناك عقبات من هذا القبيل فإن المؤهل إلى تذليلها هم أهل الاختصاص، أي اللغويون واللسانيون الذين لهم شرعية بحث بنياتها الصوتية والصرفية والتركيبية وغيرها من المستويات التعبيرية الضرورية في كل لغة بشرية. ولكن، ليس هذا هو حال اللغة العربية التي تتعمق أزمة الناطقين بها في ظل توهجها باعتبارها بالفعل لغة علم وثقافة.

هناك من يرى أن هذه الوضعية التي وصفتها بالمزرية سببها تفشي العولمة في واقعنا اللغوي؟

لكل شيء في الواقع إيجابياته وسلبياته، فبضل العولمة أتيح للغة العربية مزيد من الانتشار لغايات ورهانات تتعلق بالتبادل التجاري وغزو الأسواق الجديدة، ومنها أسواق المجتمعات العربية. تعليم اللغة العربية الآن للناطقين بغيرها يجري على قدم وساق، كما يقال. وفي سياق عولمة التقنية أيضاً استفادت العربية من الثورة الرقمية والبرمجيات المرتبطة بها. ولكن، إذا أراد البعض أن يتصور وجود نوع من التأثير السلبي للعولمة على العربية فإنه يمكن أن يفعل ذلك، هذا على الرغم من أن اللغات تتفاعل ويقترض بعضها من بعض، بل ويقضي بعضها على بعض بمساعدة عوامل مختلفة، ومثل هذا الأمر حدث مراراً على مدى التاريخ. وعلى العموم، فإن الخطر الذي يتهدد اللغات لا يرتبط بوتيرة التواصل بين الشعوب ولا حتى بالصراع الثقافي أو الحضاري، فمنذ زمن سحيق حدثت الحروب والصراعات الدامية، لكن اللغات مع ذلك استمرت حية متوهجة. اللغة لا تضعفها الحروب ولا يقضي عليها الصراع والأعداء، وإنما يقضي عليها أهلها الناطقون بها أنفسهم. فاللغة تستمر وتتطور ما دام أهلها ينطقون بها ويستعملونها في تواصلهم الشفاهي والمكتوب. هذا الاستعمال متشعب وممتد يتفاعل مع مختلف مظاهر الحياة، وبالتالي فإن الذي يفترض هو أن تشكل العولمة فرصة لتطوير اللغة العربية وإغنائها، أي لدفعها إلى ارتياد الآفاق الرحبة للتواصل البشري وإنتاج المعرفة الإنسانية والتنافس على فرض مكانتها بين اللغات الأخرى. أصبح بإمكاننا أن نتحدث في هذا السياق عن نوع من “سوق اللغات”، على غرار: سوق الطاقة، أو سوق العملات، أو سوق المعادن النفيسة، أو غيرها. سوق اللغات أيضاً يمكن أن يُباع فيها ويُشترى، وبحيث يصح أيضاً أن نتحدث عن تنمية الحقل اللغوي وتطويره وإبرام الاتفاقات والشراكات بشأنه. وإذا تم التنازل عن شيء في اللغة فهو شبيه كذلك بالتنازل عن حصة في سوق ما. وهذا ما يحدث في مجتمعاتنا العربية مع الأسف، إذ يوشك أن يؤدي التهافت على تقليد استعمال لغة الآخر على حساب اللغة الأم إلى حدوث نوع من الإبادة الجماعية للكائن اللغوي المحلي الذي يتغدى ضرورة على هذا الاستعمال اليومي وما يرتبط به من طرق تفكير وأنماط حياة.

تبعا لما ذكرته دكتور، هل سبب هذا الهوان عائد بالضرورة من نظامنا التربوي لاسيما في ظل التهميش الذي تعانيه اللغة العربية في مقابل تعميم المسارات الدولية في العديد من أسلاك التعليم الأساسي؟

هنا تكمن المشكلة: أي عندما نتوهم أنه بإمكاننا أن نطور المجتمع ونلحق بركب التقدم بمجرد تغيير لغة التدريس. الأمر ينطوي على التباس كبير تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والاقتصادية والصراع على مناطق النفوذ ومختلف أعمال الهيمنة والتطويع، وتدمير الذات من الداخل كما قد يحدث في كل شيء. فقد ألمحنا إلى أن اللغات تتصارع وتتنافس، وهذا أمر طبيعي، ولكن، وكما يحدث أثناء الحروب يوجد ما يسمى الطابور الخامس الذي ينخرط –وبتلقائية أحياناً-في إنجاز ما يعجز عنه الأعداء. هل يشكل اعتماد مثل هذه المسارات ضرورة ملحة لتطوير تعليمنا؟ هل هناك مزايا تتوفر في لغات ولا تتوفر في لغات أخرى؟ وبمعنى آخر: هل يستطيع علم اللغات أن يبرهن بالفعل أن بعضها يصلح لأن يكون لغة علم ومعرفة وتربية وتواصل، وبعضها لا يصلح؟ ثم أليست العربية لغة بينية دولية، ولماذا لا ينظر إلى مسار التدريس بها باعتباره مساراً دولياً؟ واضح إذن الرغبة الذاتية في إعاقة دينامية تطوير اللغة الوطنية من خلال اعتبارها مجرد نسق وطني محلي مغلق لا يستحق أن يحوز مكانة البعد الدولي. وكأن الأمر ينبغي أن يكون على الشكل الآتي: اللغات الأجنبية، -وهي أساساً لغة المستعمر- ينبغي أن تؤطر المسار الدولي الذي ينتج العلم والمعرفة ويمكن بالتالي من إعادة إنتاج النخب الحاكمة، أما اللغة الوطنية فلغة محلية لإعادة إنتاج الموظفين والمستخدمين البسطاء واستدامة السيطرة على المجتمع، وإذا اقتضى الأمر تتخذ ذريعة لخلق البلبلة والفوضى في الحقل اللغوي.  

ما السبيل في رأيكم للنهوض باللغة العربية؟

وضع اللغة العربية ليس بالضرورة كارثياً، إنها على أية حال ليست في كبوة. هناك أكبر عدد من الدول في العالم تعتبرها لغة رسمية في دساتيرها، وتعتبرها الأمم المتحدة من بين ست لغات معتمدة لديها، ومؤخراً اعتمدتها “الفيفا” أيضاً لغة رسمية في مختلف أجهزتها، وهذه مؤسسة عملاقة لها علاقة بالجمهور الواسع عبر مختلف دول العالم. وفضلاً عن كل ذلك هناك المآت من دور النشر العربية، ومن الجرائد والمجلات ومؤسسات الإعلام المسموع والمرئي، وما لا يعد ولا يحصى من المواقع الإلكترونية باللغة العربية، في الدول العربية وفي مختلف القارات. كل هذه المنابر تعمل بدأب على نشر الثقافة العربية وإنتاج العلم والمعرفة وصناعة المحتوى ونشره باللغة العربية. لا يمكننا أن نغفل في هذا السياق أيضاً الجوائز المرموقة التي يحصل عليها الكتاب العربي في الرواية والشعر والفكر والفلسفة والتحقيق الصحفي وغيرها من الميادين. المجالات التي تقصر فيها اللغة العربية في عصرنا الحالي هي مجالات العلوم الصلبة كالطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة والفلك وغيرها. توقف العقل العربي عن إنتاج المعرفة في هذه الحقول باللغة العربية لاسيما مع تطور الحضارة الغربية وانتشار اللغات المتشعبة عن اللاتينية. غير أن إنتاج المعرفة العلمية وامتداداتها التكنولوجية بهذه اللغات ليس قدراً، فكل لغة صالحة لإقامة التواصل بين الناس قادرة أيضاً على استيعاب مختلف مكونات الخطاب العلمي، وعلى إنتاجه وتطويره. ولكن، وكما أشرنا من قبل، يدفع الكسل أحياناً ليس فقط إلى تعطيل الإنتاج الوطني واستيراد البضائع الجاهزة، وإنما أيضاً إلى تعطيل اللغة الوطنية واستيراد حلول لغوية من الخارج، كما ما يبدو لي أنه يحدث عندما نلجأ إلى تدريس العلوم باللغة الفرنسية أو الأنجليزية أو غيرهما. أبرز ما ينبغي العمل عليه بالنسبة لكل غيور على العربية هو قبل كل شيء استعمالها في التخاطب والكلام وإنتاج المقالات والمؤلفات، والانخراط في تأسيس الجرائد والمجلات والمواقع الإلكترونية وكل ما من شأنه أن يساهم في توسيع قاعدتها من القراء.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

الجباري: دفاع الجمعيات المهنية عن استقلالية القضاء آلية أممية وطنية

23 يونيو 2022 - 10:57 ص

أكد عبد الرزاق الجباري، رئيس نادي قضاة المغرب، بأنه لم يصرح لأي منبر إعلامي بأن استراتيجية نادي قضاة المغرب تحت

رشيد الوالي: 36 سنة تجعلني لا أقبل بجميع الأعمال ويجب الالتفات للرواد 

12 يونيو 2022 - 1:20 م

لما نتحدث عن الفن الجاد والمتميز بالمغرب، فلابد أن يَطرق باب عقولنا اسم رشيد الوالي، ونستحضر أعمالا خالدة له تلفزيونيا

أمن القنيطرة يتفاعل مع فيديو “تعنيف النادلة”

7 يونيو 2022 - 12:32 ص

أحالت مصالح الشرطة بولاية أمن القنيطرة على النيابة العامة المختصة، اليومه الاثنين، شخصا يبلغ من العمر 46 سنة، من ذوي

 المتوكل: بعد “جدري القردة” مسألة عودة أمراض انتهت جد وارد.. الإصابة بـ “كورونا” وفيروس آخر نادرة

31 مايو 2022 - 11:00 ص

كلما بدأ الحديث عن مرض أو فيروس جديد تزداد مخاوف الناس، لاسيما بعد ما عايشوه مع فيروس “كورونا”، وخصوصا حالة

أحمد نور الدين: عدم ثقة إسبانيا في النظام الجزائري ظهرت منذ 2018.. والاتفاق مع قطر خطوة تعزز ذلك

28 مايو 2022 - 11:00 ص

تتوالى الإشارات التي تبرز سقطات ونكسات النظام الجزائري، والتي لن يكون آخرها الخطوة الأخيرة لإسبانيا بعقد اتفاقية لتوريد الغاز من قطر،