المدينة الفاضلة بين النقد والفلسفة
الرئيسية » إستبعاد من الجوال » المدينة الفاضلة بين النقد والفلسفة

«وكأن السعداء إن أمكن وجودهم في هذه المدن، فإنما يكون لهم سعادة المفرد»
ابن باجة

من المستحيل أن يفلح الذين لا يأتون أعمالا حميدة، والمقصود بالأعمال الحميدة هو نشر الخير والفضيلة، وكل ذلك من أجل الحياة السعيدة: «لأن الحياة السعيدة هي التي لا يعوقها عائق عن ممارسة الفضيلة، وأن الفضيلة اعتدال وأن الحياة الفضلى هي ضرورة الحياة المعتدلة». فماهية الفضيلة لا تتأثر بماهية الإنسان الذي بلغ مرتبة السعداء، لكن من هو هذا الإنسان؟ وكيف استطاع بلوغ مرتبة السعداء؟ هل هو الفيلسوف الذي اختار سياسة المتوحد؟ أم السياسي المحترف؟

يصف الفارابي هذا الإنسان قائلا: «وهذا الإنسان هو في أكمل مراتب الإنسانية وفي أعلى درجات السعادة، وتكون نفسه كاملة متحدة بالعقل الفعال».

والحال أن من لم يبلغ كماله باتحاده مع العقل الفعال يظل طفلا في مرتبة العقل الهيولاني، ومن أجل الوصول إلى العقل الفعال لا بد من الفلسفة، هكذا يكون الفلاسفة هم حكام المدن الفاضلة: «فمتى اتفق في وقت ما إن لم تكن الحكمة جزء الرياسة، وكانت فيها سائر الشرائط، بقيت المدينة الفاضلة بلا ملك، وكان الرئيس القائم بأمر هذه المدينة بملك وكانت المدينة تعرض للهلاك».

وبما أن الفيلسوف يتأمل باستغراب شديد أن جل المدن يدبرها العوام بعقولهم الهيولانية، الفوضوية، فإنه يشد الرحال إلى مدينة المتوحد ليمارس سياسة المتوحد، وينعم بالسعادة.

إعادة بناء السعادة انطلاقا من رسالة الوداع التي جاءت بعد قراءة كتاب الميتافيزيقا لأرسطو، لأنه من خلاله يتم الانتقال إلى مرتبة السعداء الذين لا يخضعون إلا لسياسة المتوحد. وطالما أن هناك سياسة المتوحد، أي بما هي تجربة الذات في الوجود، من أجل الحرية، طالما أن الهيمنة تفقد هيمنتها، ولعل ابن باجة كان واعيا بأهمية هذه السياسة بالنسبة للفيلسوف، الذي يستطيع كتابة رسالة الوداع، لكن ما هي رسالة الوداع؟ ألا تكون هي نفسها فلسفة الوداع؟ ألا يكون ابن باجة قد تنبأ بهذه التراجيدية؟

بما أن الفلسفة هي انعتاق من الهيمنة، فإن رسالة الوداع هي خروج من السياسة الجاهلة، هكذا يتم اختزال السياسة في الهيمنة كما هو الحال مع مدرسة فرانكفورت، التي تنبأت بالكارثة، ولعل أعمال أدورنو حول الفن والسياسة تشبه إلى حد ما أعمال فوكو حول الأخلاق والسلطة، ولذلك يتعين على تأويل النص الفلسفي أن يتوجه نحو بناء النقد: «ومهمة النقد هو تشخيص الوضع القائم والعمل على تغييره» ذلك أن النقد بما هو موقف مناهض للإخضاع والهيمنة، فإنه أضحى من واجبات الفيلسوف، لكن بأي معنى يمكن للنقد أن يصبح غاية الفيلسوف؟، وبناء على أية أسس سيقوم هذا النقد؟، وما علاقة هذا النقد بالتنوير؟.

بما أن التنوير قد اكتشف أن الحرية لا يمكن أن تكون إلا بواسطة النقد الذي يقوم على الصراع الاجتماعي المؤسس على الدوافع الأخلاقية، ولعل هذا يعني من ضمن ما يعنيه، أن اختلاف هذه الفلسفة عن الماركسية التي تقول بأن التغيير يتم عبر الصراع الطبقي حين يتحرك التاريخ من اللحظة المثالية إلى اللحظة المادية، عبر مفهوم الجدلية المادية، التي تقول بالصراع من أجل الاعتراف.

فن التحول، بلغة نيتشه، حيث النقد يصبح ضرورة فلسفية تنطلق من نقد ذاتي وتتوجه نحو نقد الهيمنة والسيطرة، وبعبارة أخرى، يتعين على الذات الناقدة أن تصل إلى مرتبة الوعي الذاتي ثم تقوم بتعميمه. فالعبد لا يمكن أن يخوض صراعه الجدلي من أجل الحرية، إلا عندما يعي أن حياة السيد تتوقف على عمله، أي أنه لو توقف على العمل، لأجبر السيد على الإنصات لمطالبه. هكذا، يدخل العبد في مرحلة الوعي بأن الثورة وحدها ستحقق له كرامته وحريته، لكن الوعي الذاتي سيتم تعميمه من قبل الفلسفة.

هناك تحولات في تاريخ الفلسفة، فمن نقد العقل التنويري إلى نقد الطبقة الحاكمة، ليصل مع فوكو إلى نقد السلطة، بواسطة مفهوم المقاومة؛ خاصة أن المقاومة لا تكون خارج السلطة: «حيثما توجد السلطة توجد المقاومة» كما قال فوكو، ذلك أن المقاومة متعددة فيها الممكنة والعفوية والعنيفة، والمتفق عليها والمنعزلة والمستبعدة، وربما يقود هذا التعدد إلى أن السلطة ليس لها جوهر، وإنما هي إجرائية: إنها الطريقة التي تعمل بها التكنولوجية السياسية من خلال الجسد الاجتماعي، بلغة فوكو الذي قام بتعرية السلطة بواسطة الفلسفة.

بإمكاننا أن نظل في أعماق السؤال الفلسفي، دون أن نفهم لماذا استمر هذا الصراع بين الفلسفة والسلطة منذ سقراط إلى يومنا هذا، وبعبارة أخرى كيف تمكنت السلطة من حرمان الفلسفة من الحرية، ومع ذلك ظلت الفلسفة تقاوم من أجل البقاء على هذه الأرض: «كما أنها لا يسعها إلا أن تقاوم ممارسة السلطة التي تنزع في النهاية إلى تحديد هذه الحرية كلية» ولعل هذا ما يسميه فوكو بفوبيا الدولة.

هكذا أضحى فن التأمل يقاوم فن الحكم، وضاع الأمل عندنا، وانبثق عن الصدفة في العالم الغربي بعد وصول جثمان الفيلسوف ابن رشد وكتبه، فترحيل الفيلسوف والفلسفة لم يكن عبثا، بل كان مخططا له من قبل الحزب الديني الذي يهيمن على الدولة الوسطوية في العالم العربي عامة والمغرب خاصة، والسؤال الذي يطرح نفسه: ما علاقة هذا الترحيل بالقانون العام؟ وما علاقته بالحق في الوجود؟ ومن كان وراء هذا القمع؟ ألا تكون هذه الفوضوية في تدبير الدولة بالدين؟ وهل يجب الدفاع عن الدولة العقلانية بالدين أم بالفلسفة؟

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

“الفَحص الإستباقي لِأمعاء المُدير السَّاقي صاحب العِشق الرَّاقِي”

1 يوليو 2022 - 4:30 م

عَلَى كُلِّ مسؤول طَاغِيَة تجَاوَز الخمسينيات من عُمُرِه، أن يَعْمَدَ إلى القيام بتحليل وتشخيص للأمعاء والمعدة…لَدَيْه.قد يتساءل القارئ لماذا هذا

حول أزمة المقاولة الصحافية بتطوان

28 يونيو 2022 - 9:36 ص

أثارت الندوة حول “سبل تطوير المقاولة الصحفية” التي نظمتها النقابة الوطنية للصحافة ومهن الاعلام بتطوان بشراكة مع غرفة التجارة والصناعة

الخبرة بين الأحزاب السياسية ووزارة الداخلية

27 يونيو 2022 - 12:41 م

يمثل مشروع المرسوم الذي قدمته وزارة الداخلية المغربية خطوة في اتجاه وضع حد لسوق مالي تباع فيه المعرفة وتشترى تحت

أحمد بهطاط.. شاعر القرية والطبيعة والغزل

25 يونيو 2022 - 4:47 ص

ولد الشاعر أحمد بهطاط بقرية رشيدة بإقليم جرسيف، وهي قرية ظلت على مدى قرون بؤرة إشعاع علمي وروحي وفكري وأدبي؛

صورة النبي محمد صلى عليه في عيون حاقديه

18 يونيو 2022 - 3:23 ص

لماذا يحقدون على محمد صلى الله عليه وسلم ،نبي الإسلام دون  غيره  من سائر الأنبياء،؟؟  إن الدين يصبح عندهم مقدسا