إدريسا جاي بين المطرقة والسندان في بلاد الحريات!
الرئيسية » إستبعاد من الجوال » إدريسا جاي بين المطرقة والسندان في بلاد الحريات!

لطالما اعتقد كثيرون في عالمنا العربي أن العيش بحرية يكاد يكون حلماً مستحيلاً في أوطاننا، لكنه ممكن في الضفة الشمالية، عند الذين حاربوا وقاتلوا من أجلنا، لزرع الديموقراطيات والحريات في بلداننا من أجل حياة أفضل.

فبعدما تحولت الكثير من بلداننا الى خرابات وحطامات ومعسكرات اعتقال، بمساعدة هؤلاء، انتقل الآلاف والملايين من الهائمين والحالمين للعيش في بلاد الحريات، فوجد كثير منهم ما يصدمه، وغرق آخرون بأحزانهم رغم بلوغهم شاطئ النجاة بعد مغامرات عبور البحار، فشرقيو أوروبا كشروا عن عنصريتهم، والاسكندنافيون سرقوا أطفالهم، والفرنسيون حاربوا معتقداتهم وتراثهم، بل صار الأمر ربما أكثر من ذلك… مصادرة حرياتهم.
واقعة نجم كرة القدم السنغالي ادريسا غانا غايي، التي شغلت الرأي العام في العالمين العربي والاسلامي، أكثر بلاغة على التطور المخيف في زيف الكثير من المعتقدات التي كانت راسخة في أذهاننا عن الغرب الجميل والمشرق، فغايي، لاعب وسط باريس سان جيرمان الفرنسي، بات يرزح تحت ضغوطات شديدة، بسبب رفضه المشاركة في مباراة في جولة بالدوري، خصصها الاتحاد الفرنسي لمكافحة «رهاب المثلية الجنسية». وكان غايي ضمن قائمة سان جيرمان لمواجهة مونبيلييه، ولكنه خرج منها «لأسباب شخصية»، وفقا لتأكيدات مدربه ماوريسيو بوتشيتينو. وسلطت وسائل الإعلام الفرنسية، الضوء على سلوك اللاعب السنغالي المسلم، وزعمت أنه رفض المشاركة في الجولة ذاتها الموسم الماضي، بداعي معاناته من آلام في المعدة، لكنها أشارت أيضاً إلى أنه رفض المشاركة في الجولة، بسبب «ألوان قوس قزح التي ترمز إلى المثلية»، حيث كان يتعين على لاعبي سان جيرمان في هذه الجولة، ارتداء قمصان عليها أرقام اللاعبين بألوان قوس قزح.

غايي مارس قناعاته برفض ارتداء هذا القميص لدعم أفعال حرمها عليه دينه، بل أيده عدد من زملائه في المنتخب السنغالي، بينهم لاعب كريستال بالاس الانكليزي شيخ كوياتي وزميله في البريميرليغ لاعب واتفورد اسماعيل سار وعدد كبير من اللاعبين والمسؤولين والأندية، لكن إدارة النادي الباريسي، التي وضعت في مأزق أكدت أن القرار الذي اتخذه غايي هو «قرار فردي». وأن النادي «حريص دائما على محاربة جميع أشكال التمييز». لكن ما صعد الامور وكشف ربما عن وجه قبيح جديد للقيم الفرنسية، ما ذكرته صحيفة «ليكيب»، أن غايي تلقى خطابا من مجلس الأخلاق الوطني التابع لاتحاد كرة القدم الفرنسي، جاء فيه: «هناك حالتان، الأولى أن هذه الافتراضات لا أساس لها من الصحة (تعمد الانسحاب بسبب قميص ألوان قوس قزح)، وهنا ندعوك من دون تأخير الى التحدث علانية من أجل إسكات هذه الاشاعات، وندعوك لإرفاق ردك بصورة لك، وأنت ترتدي القميص المعني». وأكمل: «الحالة الثانية أن تكون هذه الاشاعات صحيحة، وفي هذه الحالة، نطلب منك أن تكون على دراية بتصرفك والخطأ الجسيم الذي ارتكبته. الكفاح ضد التمييز الذي تتعرض له الأقليات المختلفة، مهما كانت، هو معركة أساسية ودائمة سواء كان لون البشرة أو الدين أو الميول الجنسية، أو أي اختلاف آخر، فكل أشكال التمييز تقوم على نفس الأساس، وهو رفض الآخرين لأنهم يختلفون عن معظمهم». ولفت: «برفضك المشاركة في هذه العملية الجماعية، فأنت في الواقع تؤكد صحة السلوك التمييزي، ورفض الآخر، وليس فقط ضد مجتمع المثلية».

هذا الخطاب القاسي والتهديدي لم يكن ليكون بهذه الحدة لو كان غايي من أمريكا الجنوبية أو لاعباً غير مسلم، فحتى فرنسا «المعتدلة» تحت ادارة الرئيس ماكرون، استحدثت الكثير من القوانين التي تحد من حرية المسلمين في بلدها، خصوصا ما يتعلق بقضية «الحجاب» التي لا تنتهي، وتغليفها ضمن قانون «تعزيز قيم الجمهورية» وتحت حجة مكافحة «النزعات الانفصالية». لكن بالمقارنة فان الجولة الثالثة عشرة من الدوري الانكليزي الممتاز خصصت أيضاً لمكافحة «رهاب المثلية الجنسية»، لكن رابطة الدوري الممتاز لم تجبر اللاعبين على ارتداء شارات قوس قزح على سواعدهم مثلما فعل بعضهم، ولم يتعرض أي نجم لم يفعل لمضايقات أو مساءلات أو تلقي خطابات توبيخية أقرب الى التهديد.

فالكفاح ضد التمييز الذي من المفترض ان الاتحاد الفرنسي للعبة يمارسه، بات هو التمييز والترهيب ورفض الآخر بعينه الذي مارسه على غايي، الذي وجد نفسه في هذا الموقف ليس لأنه حارب او هاجم او انتقد مجتمع «المثليين»، بل لأنه لم يدعمهم بطريقة تنافي تعاليمه ومعتقده. وعندما نرى ان تفسير الحرية هو التحرر من القيود التي تكبل طاقات الإنسان وإنتاجه سواء كانت قيوداً مادية أو معنوية، فهي تشمل التخلص من العبودية لشخص أو جماعة أو للذات، والتخلص من الضغوط المفروضة على شخص ما لتنفيذ غرض ما على عكس رغبته، فان هنا للأسف يجد غايي نفسه بين المطرقة والسندان في بلاد يفترض انها تعزز الحريات وتحارب كل أشكال التمييز.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

“الفَحص الإستباقي لِأمعاء المُدير السَّاقي صاحب العِشق الرَّاقِي”

1 يوليو 2022 - 4:30 م

عَلَى كُلِّ مسؤول طَاغِيَة تجَاوَز الخمسينيات من عُمُرِه، أن يَعْمَدَ إلى القيام بتحليل وتشخيص للأمعاء والمعدة…لَدَيْه.قد يتساءل القارئ لماذا هذا

حول أزمة المقاولة الصحافية بتطوان

28 يونيو 2022 - 9:36 ص

أثارت الندوة حول “سبل تطوير المقاولة الصحفية” التي نظمتها النقابة الوطنية للصحافة ومهن الاعلام بتطوان بشراكة مع غرفة التجارة والصناعة

الخبرة بين الأحزاب السياسية ووزارة الداخلية

27 يونيو 2022 - 12:41 م

يمثل مشروع المرسوم الذي قدمته وزارة الداخلية المغربية خطوة في اتجاه وضع حد لسوق مالي تباع فيه المعرفة وتشترى تحت

أحمد بهطاط.. شاعر القرية والطبيعة والغزل

25 يونيو 2022 - 4:47 ص

ولد الشاعر أحمد بهطاط بقرية رشيدة بإقليم جرسيف، وهي قرية ظلت على مدى قرون بؤرة إشعاع علمي وروحي وفكري وأدبي؛

صورة النبي محمد صلى عليه في عيون حاقديه

18 يونيو 2022 - 3:23 ص

لماذا يحقدون على محمد صلى الله عليه وسلم ،نبي الإسلام دون  غيره  من سائر الأنبياء،؟؟  إن الدين يصبح عندهم مقدسا