لأول مرة باللغة العربية.. ترجمة كتاب "المغرب الذي كان" لمؤلفه الصحافي البريطاني والتر هاريس
الرئيسية » إصدارات وأطروحات » لأول مرة باللغة العربية.. ترجمة كتاب “المغرب الذي كان” لمؤلفه الصحافي البريطاني والتر هاريس

صدرت مؤخرا الترجمة العربية لكتاب “المغرب الذي كان” لمترجمه حسن الزكري، والتي تعتبر الترجمة العربية الأولى التي تصدر لهذا الكتاب عن لغته الأصلية، أي اللغة الإنجليزية.

في كتابه هذا يروي المؤلف والتر هاريس، الصحافي البريطاني بجريدة التايمز البريطانية وصاحب العلاقات الوثيقة بالدوائر الدبلوماسية الأوروبية، فصولا من حياته في المغرب قبل الحماية وأثناءها، ويفتح صفحات من تاريخ هذا البلد أثناء المدة التي عاشها فيه، مثل تمرد بوحمارة وثورة الريسوني وانقلاب مولاي عبد الحفيظ والأطماع الأوروبية إلخ…

وعليه فالكتاب له قيمة تاريخية معتبرة في هذا المقام، لأنه يصف الحياة في المغرب في فترة دقيقة من تاريخه: حياة السلاطين الباذخة المترفة وراء جدران قصورهم من جانب، وحياة الشعب الرازحة تحت وطأة القهر والمعاناة من جور الحكام وتسلط القياد وزعماء القبائل وشيوخ الطرق من الجانب الآخر.

  هذا بالإضافة إلى أن هاريس يحاول من خلال كتابه هذا مشاركة القارئ الغربي نظرته الفريدة التي اكتسبها عن المغرب وسلاطينه وأطياف شعبه خلال السنوات المديدة التي قضاها داخله، متجولا بين أرجائه، ورابطا صداقات مع مختلف أطيافه، ومتعرفا على طبائع وعادات وتقاليد سكانه وأبنائه؛ وقد تسنى له ذلك بالرغم من أن المغرب كان بلدا شبه مغلق في وجه الأجانب في تلك الأيام.

ويروي هاريس كل تجاربه هذه بأسلوب يجمع بين الواقعية والتشويق، وبين الإثارة والبهرجة، مع التنميق في سرد الأحداث وتضخيم دوره في بعض الوقائع وتسجيل حضوره الشخصي في كل المنعطفات التاريخية المهمة، إضافة إلى المبالغة في وصف قدرته على حل المشاكل التي استعصت على الآخرين، حتى ليكاد يخيل إليك أحيانا أنه جيمس بوند في الأفلام الشهيرة. هذا مع قدر لا بأس به من النفَس الاستعلائي في نظرته للمغاربة وسذاجتهم وبدائيتهم وبساطة تفكيرهم، بالمقارنة مع العقل الغربي الفذ والذكاء الأوروبي الذي لا مثيل له، من وجهة نظره طبعا؛ ويتمثل هذا النفس الاستعلائي واستشعار التفوق الأوروبي أيضا في إكباره للدور الذي لعبته الحماية الفرنسية في إنقاذ المغاربة من عهود الفوضى والجهل والأمراض والابتزاز، والدخول بهم إلى عصر الأنوار والنظام والعلم والحضارة، حسب زعمه. ومع هذا فهاريس لا يدع فرصة تمر دون الإعراب عن ولعه بالمغرب، وشغفه بجباله ووديانه؛ ودون التعبير عن امتنانه للمغاربة الذين وثقوا به ورحبوا به بين ظهرانيهم، وتقديره لشرفهم وكرمهم وشجاعتهم الأدبية والأخلاقية.

يتألف كتاب “المغرب الذي كان” من أربعة أجزاء. يحمل الجزء الأول عنوان: “البلاط المغربي”، ويصف فيه علاقته بالسلاطين، خاصة السلطانين مولاي عبد العزيز ومولاي عبد الحفيظ، وما عرفه المغرب إبان فترات حكمهم من أحداث ووقائع وثورات.. هذا الجزء يتضمن سبعة فصول.

بدأ هاريس الفصل الأول منها والذي عنونه بـ”اعتلاء مولاي عبد العزيز العرش” بالحديث عن مرافقته لبعثة الوزير المفوض البريطاني السير وليام كيربي جرين إلى مولاي الحسن، ووصف المراسم التي رافقت عملية استقبال البعثة في باحة القصر الملكي بالعاصمة مراكش آنذاك. كما يتحدث فيه عن فترة حكم مولاي الحسن والظروف التي أدت إلى وفاته خلال إحدى “الحركات” وإلى تسلم ولده مولاي عبد العزيز الحكم من بعده وهو بعد في  الثالثة عشر من عمره، حيث ظل معزولا تحت جناح باحماد حاجب والده القوي، الذي تمكن من إزاحة كل المنافسين من طريقه ليصبح الصدر الأعظم وصاحب الأمر والنهي في الدولة إلى حين وفاته.

أما الفصل الثاني المعنون بـ”الحياة داخل البلاط”، فيتحدث فيه الكاتب عن تمرد بعض القبائل في الجنوب خاصة قبيلة الرحامنة، وكيف تمكن باحماد من القضاء على تمردها والنكاية بها وتشريد أهلها، ليتفرغ بعد ذلك لبناء قصره بمراكش الذي يعرف بقصر الباهية. وفي هذا الفصل أيضا يتحدث عن وفاة باحماد ومصادرة كل ممتلكاته، كما يصف بدقة متناهية مواكب السلطان حين كان يخرج في كامل أبهته متنقلا من عاصمة إلى أخرى من عواصمه العديدة؛ وأيضا استسلام مولاي عبد العزيز لدواعي الترف وانغماسه في اللهو واللعب وإنفاقه الأموال الطائلة من أموال شعبه في هذا السبيل.

في الفصل الثالث والرابع المعنونين بـ”الطريق إلى الهاوية” و”بداية النهاية” تباعا، يتحدث هاريس عن عمليات التمرد التي انطلقت في البلاد وانتشار الفوضى وعمليات الاختطاف وانعدام الأمان، خاصة تمرد قبيلة زمور وبوحمارة الذي يصفه بالدعي، أو المطالب بالعرش، لأنه ادعى أنه مولاي محمد بن مولاي الحسن وأخو السلطان مولاي عبد العزيز الأكبر والأحق بالعرش منه.. كما يتحدث في هذين الفصلين عن زيارة القيصر الألماني إلى طنجة وعن بداية الأطماع الأوروبية. ويركز هذان الفصلان كذلك على انغماس مولاي عبد العزيز في اللهو واقتناء الألعاب وأدوات الملاهي من أوروبا بأثمنة باهظة، في حين كان شعبه يعاني الأمرين من ظلم القياد وزعماء القبائل.

أما الفصول من الرابع إلى السابع، وعناوينهم تباعا: “بداية النهاية” و”تصفية السلطنة” ومولاي حفيظ في طنجة” و”مولاي حفيظ في فرنسا”، فيتناول فيها هاريس الأيام الأخيرة من حكم مولاي عبد العزيز المستغرقة في اللهو واللعب وإنفاق الأموال على الملاهي بلا حساب بينما كانت بلده تغرق في وحل الثورات الداخلية والأطماع الخارجية، ويصف قيام أخيه مولاي حفيظ ضده واستيلائه على الحكم، واضطراره في النهاية إلى التنازل بدوره عن العرش مقابل شروط مادية حصل عليها من سلطات الحماية، ثم ذهابه للعيش في طنجة وبناء قصر لنفسه هناك، والزيارة التي قام بها لفرنسا والاستقبال الذي حظي به من طرف السلطات الفرنسية والشعب الفرنسي.

في الجزء الثاني المعنون بـ”الريسوني” يروي هاريس علاقته بهذا الثائر المعروف  وكيف تحولت علاقتهما بعد عملية الاختطاف الشهيرة إلى إعجاب متبادل وصداقة راسخة،  بالرغم من أنه كان لا يحلو له إلا أن يصفه بأنه لص وقاطع طريق. هذا الجزء يتألف من أربعة فصول، يصف هاريس في الفصل الأول منها شخصية الريسوني ونسبه وصفاته، ويتناول فيها عملية اختطافه وظروف سجنه، ثم الجهود التي بذلت من أجل إطلاق سراحه ودور القبائل في ذلك، ثم تحول الريسوني بعد ذلك إلى طاغية يمارس إرهابه على الجميع، مما أدى إلى نفاذ صبر الأوروبيين ودفع المخزن إلى القيام بحملة ضده وطرده من قلعته المنيعة بالزينات وتحوله إلى خارج على القانون.. أما الفصول التالية فتصف كيف تحول الريسوني بعد ذلك إلى صديق يستضيفه هاريس في بيته، ويستضيف هو هاريس في ببته بأصيلة.. وتصف هذه الفصول أيضا كيف صار الريسوني حاكما مستبدا لمنطقة طنجة، وعملياته ضد الإسبان ثم في النهاية الحملة التي قام بها هؤلاء ضده وتجنيد آلاف الجنود من أجل القضاء عليه.

في الجزء الثالث المعنون ب”أولياء وشرفاء وآثمون” يتحدث هاريس عن أهمية الطرق الصوفية في المغرب وعلاقته ببعض أهم اقطابها وأهمهم شرفاء وزان مثل مولاي العربي ومولاي محمد ومولاي التهامي أولاد شريف وزان الأكبر سيدي عبد السلام، ويصف الحياة المزدوجة التي كانوا يحيونها: الحياة التقية من جانب والآثمة من الجانب الآخر.. والنظرة القدسية التي كانت لهم في أعين المغاربة بالرغم من كل ذلك..

 يتناول هاريس في الجزء الرابع المعنون ب”فرص التغيير” كيف تغير الوضع في المغرب في عهد الحماية الفرنسية، من وجهة نظره، حيث صار أفضل حالا وأكثر أمانا واستقرارا مما كان عليه في السابق، وذلك بفضل هذه الحماية. فالآن تتوفر مستشفيات لم تكن متوفرة في السابق، وفرص العلاج متاحة للجميع، وأرباب الطرق والزوايا لم يعد بإمكانهم ممارسة ابتزازهم والحصول على الأموال كالسابق، كما أن الفوضى التي كانت ضاربة أطنابها في البلد لم يعد لها وجود.. وبالرغم من أن المغاربة عارضوا في البداية هذه التغييرات لحنينهم إلى عهود التسيب والفوضى، إلا أنهم تقبلوها في نهاية المطاف لما رأوا أثرها الإيجابي على حياتهم وحياة أسرهم.

الكتاب يتضمن أيضا في نهايته فصلا مقتطفا من كتاب هاريس: “أرض سلطان إفريقي” وهو بعنوان “رحلتي إلى شفشاون” يصف فيها هاريس رحلته المحفوفة بالمخاطر إلى هذه البلدة المغربية التي كانت محظورة حينها على الزائر المسيحي، حيث يقال “إن ثلاثة مسيحيين فقط زاروا مدينة شفشاون المسورة: أحدهم مات مسموما، والثاني جاء لمدة ساعة متنكرًا في زي حاخام… والآخر كان والتر هاريس”.. وهناك كلمة ختامية نقدية جد مهمة للكاتب جيمس شاندلر اختتمنا بها الترجمة.

الخلاصة أن ترجمة كتاب “المغرب الذي كان” من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية يعتبر إثراء للمكتبة العربية التي تفتقر لهذا النوع من التراجم، خاصة أن الترجمة الفرنسية للكتاب هي ترجمة مبتورة قفز فيها المترجم الفرنسي على عدة فقرات، أشار إلى بعضها في الهوامش وتستر على بعضها الآخر.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

إصدارات: “القانون الدولي والعلاقات الدولية: إشكاليات وقضايا معاصرة”

16 يونيو 2022 - 12:34 م

صدر، حديثا، مؤلف جماعي حول “القانون الدولي والعلاقات الدولية: إشكاليات وقضايا معاصرة”، في إطار سلسلة أبحاث ودراسات العدد 23/2022، ضمن

أطروحة جامعية بمراكش تناقش الفلسفة اليهودية من موسى ابن ميمون إلى باروخ سبينوزا

14 يونيو 2022 - 8:30 م

نوقشت بكلية الاداب والعلوم الإنسانية جامعة القاضي عياض-مراكش، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في الفلسفة تحت عنوان: ابن ميمون وسبينوزا، الاستمرار

مائدة مستديرة بأكادير تناقش كتاب “البرلمان وحقوق الانسان مرجعيات وممارسة”

13 يونيو 2022 - 8:31 ص

في إطار أنشطتها الرامية لنشر وإشاعة ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان، نظمت الأكاديمية المدنية للديمقراطية وحقوق الإنسان بتنسيق مع ماستر الإدارة

إصدارات…”هكذا تكلم الفيلسوف النمساوي كوكلر”: تحولات في مسار الفكر والفلسفة والسياسة

2 يونيو 2022 - 8:33 م

كتاب “هكذا تكلم كوكلر” الصادر حديثا عن دار النشر المغربية “منشورات النورس”، هو عبارة عن حوارات مع الفيلسوف النمساوي الذائع

“الإخوان من السلطة إلى الانقسام”.. كتاب جديد يبحث في أزمة التنظيم ومآلاته

2 يونيو 2022 - 1:22 م

صدر مؤخرا كتاب يحمل عنوان “الإخوان من السلطة إلى الانقسام.. أزمة تنظيم أم تنظيم أزمة” من تأليف كل من محمد