الرئيسية » رأي » بعد تمديده من قبل الحكومة.. هل يستقيم قرار حظر التجوال مع منطق الدولة الحديثة؟

اِعلم، أخي أختي، أن من مميزات الإنسان المعاصر، حسب ما يتم تداوله بشكل واسع، هو امتلاكه للعقل الذي يُحتكم إليه في كل صغيرة وكبيرة، حتى رأينا من اتخذه إلها من دون الله؛ بل وصلت الوقاحة، أن ادُعي موت الإله، بعدما أصبح يملك الإنسان، حسب وهمه، من الآليات العقلية ما يجعله يستغني عن فكرة الدين وما يرتبط بها؛ لكن للأسف الشديد، كل مرة، يُثبت الواقع كذب هذا الادعاء دون الحاجة إلى المواجهة أو المناظرة؛ وهذا ما يجعل كل القرارات التي تُتخذ، أو المواقف التي تُتبنى، محل نظر وشك، أو قل: إن كل الانتاجات مرفوضة حتى يثبت العكس.

ولعل ما ذكرناه أعلاه ليس ذي صلة مباشرة بعنوان هذه المساهمة، بيد أن الدولة الحديثة اختصت بالعقلانية، حتى ارتبط اسمها بمعاداة الخرافة واللامنطق؛ مما يجعل بنائها مرتبط بالعقلانية، التي تعتبر الوجه الآخر للحداثة والدولة الحديثة، حيث أن هذه الدولة تُنظم بقواعد ومبادئ عامة، غالبا ما تُصاغ في ما يسمى الدستور؛ وكل ما يُسن من قوانين وقرارات، يُفترض فيها عدم مناقضتها أو مخالفتها للمبادئ العامة المقررة دستوريا؛ وهكذا، فإن كل التحركات يجب أن تستجيب لنسق موحد من المبادئ، تُسند مهمة تنزيلها إلى مجموعة من المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية، متخذة من التوازن بينها وبين السلط المختلفة أهم المبادئ.

وبالتالي، فإن منطق الدولة الحديثة، لا يقبل نهائيا، بوجود تناقضات بين مؤسساتها، أو قراراتها، بل إنها تتخذ من المحكمة الدستورية حكما، في حالة تقديم ما يثبت وجود تعارض، مهما كان صغيرا أو كبيرا، سواء بين الدستور ومشاريع القوانين، أو بين القوانين نفسه، سواء المختلفة درجتهم أو المتساوية، بل يصل الأمر إلى إلغائها وإعادة النظر فيها، رغم مناقشتها والتصويت عليها في المؤسسة التشريعية التي تملك هذا الحق.

وعليه، فإن قانون الطوارئ الصحية الذي يمنح الحكومة، أو من ينوب عنها، اتخاذ إجراءات لمواجهة جائحة كورونا، لا ينبغي مخالفته المبادئ العامة للدستور، ولا مخالفة إجراءاته روح نفس القانون ولا القوانين الأخرى؛ ولعل ما يجب البحث فيه ومناقشته من طرف المنظمات السياسية، سواء تحت قبة البرلمان أو في المواقع التي تسمح بذلك، هو هذا الأمر؛ بيد أن الوضع، للأسف، لا يبعث على الأمل، لأن هذا القانون ولا الإجراءات المصاحبة له، لم تخضع للنقاش والمزايدات السياسية، كما يحدث مع قوانين أخرى؛ ولا ندري السبب وراء كل هذا حتى اليوم، بل الكل يستغرب هذا الصمت والإجماع الخفي، في زمن ألفنا استحالة تحقيق الإجماع، أو اتخاذ الصمت نهجا كما نشهده مع هذه الحالة؛ مما يجعل تساؤلنا هذا مشروعا، ليس من باب تمني حدوث الصدامات والمزايدات، وإنما دعوة لإعادة النظر في حالنا وحال السياسيين الذين تغيروا فجأة، دون سابق إنذار.

حتى نساهم، كل من موقعه، في إثارة النقاش، عملا بمنطق الدولة الحديثة، لن نتطرق لدستورية قانون الطوارئ الصحية، حيث يصعب مناقشته في مساهمة مثل هذه؛ وإنما سنكتفي بتسجيل بعض الملاحظات على الإجراءات المتخذة باسمه؛ حتى إن ثبت، بعد النظر، وجود تناقضات، جاز لنا الدعوة إلى تكثيف الجهود لمراجعة ومناقشة نص القانون أو الإجراءات التي صاحبته، لعلنا نحقق المبتغى، المتمثل في إرساء دولة الحق والقانون، بعيدا عن لغة الخشب التي تكاد تؤسس لنموذج جديد من الدولة، يشبه الدولة الدينية قديما أو الديكتاتورية، وشعارها: “مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ”.

لهذا، فإن مجموعة من الإجراءات، منذ بداية الجائحة، لم تسلم من الانتقاد، رغم إصدارها من مؤسسات علمية تحت إشراف السلطات المعنية؛ لكن تبقى مسألة حظر التجوال ليلا والتنقل بين المدن أكثرها إثارة للجدل وكذا مسألة توحيد توقيت الإغلاق، بينما لم تحظ إلى حدود الساعة بالاهتمام اللازم من طرف المؤسسات الرسمية والمنظمات السياسية والنقابية، لاسيما في قبة البرلمان؛ وإنما عكس ذلك، أصبح الكل يصفق، أو يوافق بصمته، الذي كان يعتبر علامة رضى البكر؛ وعليه، فإن أهم إشكال يتداوله الجميع، إلا رجال السياسة، هو ما الحكمة من حظر التجوال ليلا وإغلاق المتاجر والمقاهي مبكرا؟ بينما الكل يمارس نشاطه طيلة اليوم بشكل عادي جدا، مع أن تحديد الزمن يؤدي إلى تحقيق عكس التباعد الجسدي الذي يعتبر الغاية من سن كل هذه الإجراءات.

لعل البحث عن مبررات هذا الإجراء الغريب أصبح مهمة كل مواطن في هذا البلد، بعد تسجيل غياب التواصل والتوضيح من أهل الاختصاص ورجال السياسة المؤيدين لهذا؛ وإنما باتت مهمة الحكومة الاكتفاء بذكر توصية اللجنة العلمية بتمديد حظر التجوال والإغلاق المبكر، دون الالتفات إلى الأصوات المخالفة، متناسين العمل بمبدأ الديمقراطية التشاركية التي ينص عليها الدستور؛ فضلا عن كون هذا الإجراء مخالف للمنطق السليم، لأنه يتسبب في الاكتضاض عند توحيد توقيت إغلاق المحلات والمقاهي؛ بل هو مخالف لروح قانون الطوارئ الصحية والدستور.

وختاما، إن كان كل هذا الجدل القائم لم يحرك قلوب أصحاب القرار، لإعادة النظر في الإجراءات المتخذة، مع الأخذ جدلا بأن كل ما يقال غير صحيح؛ فإن أول ملاحظة يجب تسجيلها، هي عدم احترام إرادة الشعوب، التي ما فتئ يرددونها في خطاباتهم؛ بل إن ما يقتضيه منطق الدولة الحديثة هو ترجمة هذه الإرادة دون المساس بالمنهج العلمي، الذي ثبت مخالفته عند سن القوانين والإجراءات للتصدي لجائحة كورونا؛ بل إن الترافع لإسقاط كل الإجراءات، لاسيما إجراء حظر التجوال والإغلاق المبكر، سيكون نصيبه النجاح إن تمكنا من سلك كل الطرق القانونية المتاحة، كما سبق أن نجح غيرنا في دول مجاورة.

إلى حين استيقاظ أهل القرار من غفلتهم، نتمنى التعجيل بسلك كل السبل القانونية، من طرف الأشخاص الذاتيين والمعنويين، لإسقاط هذه الإجراءات الشاذة، لاسيما عبر الالتجاء إلى القضاء، من باب التحقق من شعار دولة الحق والقانون على أرض الواقع.

اللهم ارزق مسؤولي البلاد المنطق السليم، وجنبهم الوقوع في مخالفته، بعدما اتخذوه شعارا لبناء الدولة الحديثة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

على هامش “استقالة الرميد”.. هل يمكن للسياسيّ في المغرب الاستقالة بسبب الفشل؟

1 مارس 2021 - 11:45 ص

لقد انتشر خبر استقالة وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان ذ. مصطفى الرميد كالنار في الهشيم، مما جعل كل موقع إخباري

معالم في استراتيجية تحقيق التنمية في جهة فاس مكناس

8 ديسمبر 2020 - 11:07 م

في مرحلة تسعى فيها الدولة إلى إنجاح تجربة الجهوية من خلال قرارات استراتيجية، تستهدف أساسا نقل الاختصاصات من المركز إلى

من جمعية “جذور” إلى جمعية “الطيارين”.. “المسلخ” القضائي

5 نوفمبر 2020 - 7:09 م

يزحف سلاح المنع، مرة أخرى، ضد الحق في التنظيم والتجمع في المغرب، وهذه المرة يستهدف “الجمعية المغربية للطيارين المدنيين”، وقبل

نيتشه والإسلام

27 أكتوبر 2020 - 2:23 م

هو عنوان كتاب  لمؤلفه  روي جاكسون  وهو أستاذ بريطاني محاضر في الفلسفة والدين في عدة جامعات، مثل جامعة دورهام وروهامبتون.

هل يخاصم المجلس الوطني لحقوق الانسان الاشخاص في وضعية إعاقة؟

27 أغسطس 2020 - 12:25 ص

أصدر المجلس الوطني لحقوق الانسان مذكرة مؤرخة بتاريخ 23 يوليوز 2020، متعلقة بوجهة نظره حول النموذج التنموي الجديد، تتوزع على